الشوكاني
279
فتح القدير
قوله ( الحاقة ) هي القيامة ، لأن الأمر يحق فيها ، وهي تحق في نفسها من غير شك . قال الأزهري : يقال حاققته فحققته أحقه غالبته فغلبته أغلبه فالقيامة حاقة لأنها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل وتخصم كل مخاصم . وقال في الصحاح : حاقه أي خاصمه في صغار الأشياء ، ويقال ماله فيها حق ولا حقاق ولا خصومة ، والتحاق التخاصم ، والحاقة والحقة والحق ثلاث لغات بمعنى . قال الواحدي : هي القيامة في قول كل المفسرين ، وسميت بذلك لأنها ذات الحواق من الأمور ، وهي الصادقة الواجبة الصدق ، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود . قال الكسائي والمؤرج : الحاقة يوم الحق ، وقيل سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله ، وقيل سميت بذلك لأنها أحقت لقوم النار ، وأحقت لقوم الجنة ، وهي مبتدأ وخبرها قوله ( ما الحاقة ) على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان وخبره الحاقة ، والجملة خبر للمبتدأ الأول ، والمعنى : أي شئ هي في حالها أو صفاتها ، وقيل إن ما الاستفهامية خبر لما بعدها ، وهذه الجملة وإن كان لفظها لفظ الاستفهام فمعناها التعظيم والتفخيم لشأنها كما تقول : زيد ما زيد ، وقد قدمنا تحقيق هذا المعنى في سورة الواقعة . ثم زاد سبحانه في تفخيم أمرها وتفظيع شأنها وتهويل حالها فقال ( وما أدراك ما الحاقة ) أي أي شئ أعلمك ما هي ؟ أي كأنك لست تعلمها إذا لم تعانيها وتشاهد ما فيها من الأهوال فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين . قال يحيى بن سلام : بلغني أن كل شئ في القرآن ، وما أدراك . فقد أدراه إياه وعلمه ، وكل شئ قال فيه وما يدريك فإنه أخبره به ، وما مبتدأ ، وخبره أدراك ، وما الحاقة جملة من مبتدأ وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض ، لأن أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله - ولا أدراكم به - فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول الثاني ، وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء نحو دريت بكذا ، وإن كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين ، وجملة وما أدراك معطوفة على جملة ما الحاقة ( كذبت ثمود وعاد بالقارعة ) أي بالقيامة ، وسميت بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها . وقال المبرد : عنى بالقارعة القرآن الذي نزل في الدنيا على أنبيائهم ، وكانوا يخوفونهم بذلك فيكذبونهم ، وقيل القارعة مأخوذة من القرعة لأنها ترفع أقواما وتحط آخرين ، والأول أولى ، ويكون وضع القارعة موضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هو لها وفظاعة حالها والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة ( فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ) ثمود هم قوم صالح ، وقد تقدم بيان هذا في غير موضع وبيان منازلهم وأين كانت ، والطاغية الصحيحة التي جاوزت الحد ، وقيل بطغيانهم وكفرهم ، وأصل الطغيان مجاوزة الحد ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ) عاد هم قوم هود ، وقد تقدم بيان هذا ، وذكر منازلهم ، وأين كانت في غير موضع ، والريح الصرصر هي الشديدة البرد ، مأخوذ من الصر وهو البرد ، وقيل هي الشديدة الصوت . وقال مجاهد : الشديدة